التفكير الحر حق لكل مواطن عربي

مقالات

(طهران - تل آبيب- أنقرة) ...لامكان للعرب

في ندوة خاصة عقدها منتدى التفكير العربي بلندن، عبّر عضو الكونغرس السابق عن الحزب الديمقراطي، البروفيسور جميس موران، عن اعتقاده بأن القوى الثلاث التي سترسم معالم المنطقة خلال الفترة المقبلة، والتي ستتعامل معها إدارة جو بايدن، هي إسرائيل، التي ستواصل الولايات المتحدة دعمها لأن هذا النهج من ركائز سياستها الخارجية، وكذلك إيران، التي ستحصل على اتفاق نووي وستعزز قوتها الإقليمية في العراق وسورية واليمن، وثالث الدول التي ستتعامل معها أميركا كدولة مركزية في الإقليم هي تركيا، والتي فرضت نفسها لاعباً رئيسياً، وستكون واشنطن معنية بالوصول معها إلى اتفاق.

ولعل تقييم الدبلوماسي الأميركي المخضرم يقدّم توصيفاً مختصراً وواضحاً لمقاربة الإدارة الأميركية الجديدة، والتي يبدو من الواضح أنها ليست مهتمة بالشرق الأوسط، أو ليس في الأصل على أجندتها، إذ يَستَرِق الشق الآسيوي من العالم بصرها، وتعتبر أن المنافس الصيني هو التحدي الحقيقي الذي يتوجب على الولايات المتحدة التفرغ لمواجهته في العشر سنوات المقبلة.

 كما يبدو أن لا القضية الفلسطينية ولا الشراكة مع الخليج على جدول أعمال بايدن، الذي بات يبحث عن حلفاء أقوياء في المنطقة، دول إقليمية مركزية يسلمها مفاتيحها، مع إبقاء المفتاح "الماستر" معه. بمعنى أن واشنطن تريد تحديد جملة من المصالح والخطوط الحمر لبعض الدول الإقليمية في المنطقة، وعقد شراكات معها، قبل تخفيض حضورها، إذ ملت واشنطن من التدخل المباشر في المنطقة، كما أنها تودّ أن تسلمها لحلفاء إقليميين أقوياء، وهنا لا يبدو في المنطقة سوى إيران وتركيا وإسرائيل.

أما نظم الاستبداد فإن تحالفها مع إسرائيل لن يحقق لها إلا مزيدا من الاستنزاف والاقتتال مع شعوبها

تقديري أن بايدن الخارج من عباءة أوباما، والعائد إليها مع هامش قليل من التغيير، لن يواصل التحالف والشراكة الشخصية والعائلية والمالية مع المملكة العربية السعودية، فالرجل ليس رجل أعمال كترامب وزوج ابنته وابنته، كما أنه مخضرم سياسياً ويُدرك حجم الضرر الذي يمكن أن يمسّ سيرته السياسية إذا ما أثيرت حوله شبهة محاباة لدولة شرق أوسطية أو غيرها، أو إعلاء مصالحه المالية الشخصية على مصالح الدولة، كما فعل دونالد ترامب، كما أن بايدن سياسي براغماتي وليس شعبوياً، ومن هذا المنطق فإن الدول العربية سيكون لها تأثير أقل في رسم شكل وخريطة الشرق الأسط في المستقبل، وخاصة السعودية التي لم تعد على جدول أعمال بايدن، والتي تئن كذلك تحت قصف حوثي غير مسبوق، فيما يبادر بايدن إلى رفع خصمها عن قوائم الإرهاب، بدلاً من تقريعه. لذا فمن الواضح أن رسائل "واشنطن الجديدة" تقول إن بايدن يعتزم العمل مع "الكبار" في المنطقة، وعقد تسويات معهم تضمن نوعاً من الاستقرار، مع الميل بطبيعة الحال إلى تل أبيب وضمان تفوقها دوماً.

للأسف، فإن الأطماع والتدخلات الإقليمية والدولية ستتواصل في ظل افتقاد المنطقة لمشروع عربي يلملم شتاتها ويصلّب جبهتها في مواجهة تلك الأطماع والمشاريع، وفي ظل النماذج الإقليمية المحيطة بالوطن العربي يصعب تقصي أثر لأي أمل، فالمشروع الإيراني المليشياوي ما زال يواصل ذات النهج في دعم مليشيات مسلحة لا صلة لها بمواجهة ما تسميه طهران "الاستعلاء الأميركي"، وإنما تتعاون مع الأميركي والروسي والمستبدّ العربي في محاربة والإجهاز على آمال شعوب المنطقة وتوقها للحرية والاستقلال من سطوة نظم الحكم المستبدة

كذلك تجلت بشاعة ذلك المشروع الإيراني منذ زمن في ما أحدثه في العراق من إذكاء للطائفية، وإفشال للدولة، أو بناء دولة فاشلة مرتهنة للمشروع الإيراني.

في المقابل، فإن نظم استبداد عربية اختارت التحالف مع إسرائيل، ولا صلة لهذا التحالف بما تسميه "مواجهة المشروع الإيراني"، وإنما هو مشروع للحفاظ على كراسيها وطاعة لأوامر سادة البيت الأبيض. أما تركيا، فإن أردوغان يبحث عن مصالح بلاده، ويوازن ويقارب، وليس جمعية خيرية كما يظن بعض من يرى فيه صلاح الدين.

بالمحصلة، فإن نتيجة هذا الاقتتال في منطقتنا وعليها أن إيران تستنزف في الداخل وفي العواصم التابعة لها، وتصعيدها في الجبهة الحوثية لن يحقق الضغط الذي تريده على بايدن. أما نظم الاستبداد، فإن تحالفها مع إسرائيل لن يحقق لها إلا مزيداً من الاستنزاف والاقتتال مع شعوبها

وبين مطرقة إيران وسندان الاستبداد يموت ملايين العرب بين السجون، وجوعاً على ركام ما تبقى من بلدان، أو نزفاً تحت التعذيب، أو حسرة على عزيز قتل تعذيباً، أو كبتاً، أو بؤساً في المنافي.


منتدى ثقافي علمي ناطق بالعربية وهو مساحة نتشاركها جميعًا لنتحدث عما يجول في أذهاننا وما نتحدث فيه مع أصدقائنا في ما لا تتطرق له وسائل الإعلام، سواءً كانت فكرة جمعك حولها نقاش مع أصدقائك،.